محمد رأفت سعيد
260
تاريخ نزول القرآن الكريم
قال : والله يا أبا الفضل ، لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما ، قال العباس : قلت يا أبا سفيان : إنها النبوة ، قال : فنعم إذا « 1 » . فكلمة أبي سفيان تمثّل تصور المشركين لبعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنه سينزع عنهم مكانتهم وسلطانهم وهيبتهم من القبائل ، من أجل ذلك ناصبوه العداء ، وتفننوا في عدائه وكادوا له كيدا كبيرا . ومما يدلّ على ذلك - أيضا - اجتماع وفد من المشركين برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قالوا فيه للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلّمك ، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثلما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وسببت الآلهة ، وسفّهت الأحلام ، وفرقت الجماعة . . . فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا - بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علىّ كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم ، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوا علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم » أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » . فإذا كانت هذه من جملة أسباب عداء المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فإن السورة الكريمة تزجرهم وترد عليهم مزاعمهم وتتوعدهم وتعرفهم بحقيقة الأمر ، ليصححوا تصوراتهم ويقلعوا عن غيهم وذلك بذكر ما يلي : أولا : لا ينبغي أن يفتر هؤلاء بطول إمهال الله لهم ، لأنهم لو ذاقوا العذاب لزال عنهم ما يجدون من كبر وعناد ، قال تعالى : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 ) . ثانيا : لا يملك هؤلاء من الأمر شئ فرحمة ربّك العزيز الوهاب يخص بها من
--> ( 1 ) جند الله في معارك رمضان د . محمد رأفت سعيد 35 ، 36 . ( 2 ) الإسلام في مواجهة المخدرات د . محمد رأفت سعيد 30 .